كتب الدكتور محمد جودات

تدافع عدد مهول من المواطنين البؤساء من أجل الحصول على حفنة دقيق، واستشهاد عدد كبير في هذه النازلة، في دولة مؤسسات لا يتسع المجال لذكرها لكثرة تخصصاتها وتشعب مجالات تدخلها، تشمل مسميات الاقتصاد والمالية والتضامن الاجتماعي والعمل الاجتماعي والتعاون الوطني، والتنمية المستدامة والشؤون الدينية والأوقاف، وحقوق الإنسان، والمجالس الوطنية والمجتمع المدني والجمعيات الخيرية ووو  وقس على ذلك ماتشاء من المسميات التي يملأ الإعلام مسامعنا بها حتى خالطت لغتنا ومسميات أبنائنا.

“أسماء سميتموها أنتم” ونحن، وانخرطنا جميعا كل من موقعه ولو بنية وطنية أبلغ من العمل. لكنها بعد هذه النازلة محتاجة إلى التراجع عن هويتها المأزومة مادام واقع الحال يصدم سحرها ويبطله. ومادامت تتفق على الغياب جميعها في هذه الأوقات.

خصوصا إذا علمنا أن المنطقة مسرح هذه الجريمة التي نسجها الواقع، تابعة لنفوذ أكبر الأوقاف المعقبة غنى في ضيافة واعتقال وزارة الأوقاف، والأكثر خزيا أن من بين المواطنين الذين يشحذون هذا الدقيق المميت   بعض الورثة مستحقي هذه الأموال التي مازالت لحد كتابة هذه الكلمات تحت تصرف الوزارة الوصية.

ومن رواد هذه الطوابير الطويلة المؤدية للاستشهاد في سبيل حفنة قمح عدد كبير من أئمة المساجد وحفظة القرآن وطلبة المدارس العتيقة الذين خصص لهم وقت للتوزيع بعد صلاة الفجر. فكيف يكون المؤمل من القيمين على الشأن الديني والحراس على ثغور بقاء المذهب المالكي والتربية الدينية وهم واقفون  وقد باتوا على طوابير الدقيق.

فضيحة كهذه تدفعني شخصيا للاستقالة وعدم قبول العمل  في أي مؤسسة حقوقية كان لي سبق الاشتغال بها لتلميع صورة البلد ومراقبة حقوق الإنسان مادام الواقع يكذب التنظير والنية والحلم وحسن الظن في مؤسسات وطنية.

إن هذه الصواعق المجتمعية تعري كل المؤسسات وتقلب معادلات  كل الأرقام التي يتقاضاها الراقدون في الوزارات والمؤسسات؛ ومقري البرلمان، ويدافعون عنها وقد انتخبهم من يدفع حياته ثمنا لحفنة قمح، ويستحيي أن يرد الذين يشحذون أصواته في الانتخابات.

إنه “زمن أعمى” نخجل أن نقول إنه بلد المختار السوسي وعلال الفاسي والكنوني والمنجرة والجابري والعروي… في منع للصرف لا يجعل لنضالاتهم الفكرية مجالا للتطبيق، في زمن تهيمن فيه الدعارة السياسية.