الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أخرج أبو داود في سننه عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :

“ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية”. إن الشريعة الإسلامية الحنيفة تريد من أبنائها أن ينشئوا مجتمعا متماسكا متلاحما مترابطا متضامنا. وترمي إلى تكوين مجتمع على قلب رجل واحد من الأخوة والحب والمودة والرحمة .. وإن نصوصها لأكبر شاهد على ذلك .. ويكفينا في كتاب الله عز وجل قوله: “إنما المؤمنون إخوة”

ومن الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى”. والنصوص في هذا المعنى كثيرة مستفيضة .. وهذه منقبة من مناقب هذا الدين حيث أنها تعمل على ربط القلوب وجمع النفوس وتوحيد الغايات وتحقيق الأهداف الموصلة إليها. إن المتأمل في الخطاب القرآني ليجد أنه خطاب ذو بعد إنساني عميق .. فحين ينهى الله عز وجل عن أمر يلحق الغير منه ضرر ما، ويأتي بالتعبير عن النهي عن ذلك الأمر بذكر كلمة “النفس” فهو أكبر برهان على أن ما تفعله -وان كان ظاهره انه لا يعنيك .. فهو على العكس- ستعود نتائجه إليك. فتأمل قوله تعالى: “لا تقتلوا انفسكم” .. “لا تلمزوا أنفسكم ” .. “لا تأكدوا أموالكم بينكم بالباطل” ….. لأن كل هذه الآفات ضررها لا يقتصر على من ارتكبت الجريمة في حقه .. ولن يقتصر في دائرة ضيقة محدودة .. وإنما يتعداه إلى أن يعم الجميع!! وفي المقابل نجد ان من عمل عملا صالحا في حق شخص واحد فقط أو اسدى إليه معروفا فكأنما قدم هذا الخير للإنسانية جمعاء .. “ومن أحياها فكأنما احيى الناس جميعا”.

فمن أدرك هذا يدرك لا محالة أن المجتمع الذي يدعو إليه الإسلام هو المجتمع الفاضل النقي الذي لا شحناء فيه ولا غل ولا حقد ولاحسد ولا كراهية ولا عنصرية ولا اثرة ولا أنانية … إنه المجتمع المثالي الذي يحب فيه العضو منهم لاخوانه من ابناء وطنه ما يحب لنفسه ويكره لاخوانه ما يكره لها.

أليست المبادئ العظيمة التي جاء بها الإسلام وربى عليها رسولنا الأكرم عليه الصلاة والسلام صحابته والمؤمنين؛ من قبيل الحب والعفو والتسامح والايثار وبذل المعروف وكف الاذى والتضحية في سبيل الوطن واسترخاص النفس والمال في سبيله…. ألا تعبر هذه القيم بصدق عن روح المواطنة الحقة التي تنبع من إيمان راسخ وحب صادق؟! هذا الإيمان وهذا الحب سينتجان لا محالة غيرة على البلد والأهل ويترتب عنها مجموعة من الخطوات الإيجابية الجادة تجعل الشخص المتشبع بها يعمل بجد واجتهاد ليرقى وطنه ويسعد أهله .. ولا يبخل بجهد ولا نفس ولا مال في سبيل تحقيق مستوى أفضل لأهله وبلده .. وبذلك يترجم ما يحمله في قلبه من حب لوطنه وأهله إلى الإيجابية بدل العدمية .. وبالتالي إلى استثمار كل الإمكانيات المتاحة في خدمة بلده؛ بل وينعكس كذلك على سلوكه حيث انه سيتخلق بأخلاق كريمة ويتصف بأوصاف حميدة تجعله محبوبا مميزا يمدح في حضوره ويثنى عليه خيرا في غيابه وينقش في قلوب جميع مواطنيه اسمه بمداد العزة التي يسعى إلى تحقيقها ..

وإنه لمداد ذو أثر لن يمحوه البشر ولن توثر فيه الحوادث والغير.